أخبار


  1. الحكومة: غدا الثلاثاء يوم إضراب شامل يتم فيه تعطيل كافة المؤسسات والدوائر الرسمية
  2. الإعلام العبري: حرائق طالت مئات دونمات القمح بمستوطنات غلاف قطاع غزة اليوم
  3. ترامب: سأعلن موقفي النهائي من الاتفاق النووي مع إيران غدا الثلاثاء
  4. ترامب يعلن عن وفد رئاسي سيحضر حفل افتتاح السفارة الأمريكية في القدس برئاسة نائب وزير الخارجية جون سوليفان
  5. قوات الاحتلال تطلق الغاز بكثافة تجاه المتظاهرين في مخيم العودة شرقي خزاعة
  6. إصابة شاب برصاصة في قدمه بقمع الاحتلال مسيرات العودة شرق غزة
  7. استمرار توافد آلاف المواطنين للمشاركة في فعاليات جمعة الشباب الثائر
  8. مئات المستوطنين يقتحمون منطقة الاثار في سبسطية تحت حراسة جيش الاحتلال
  9. مواجهات مع الاحتلال باب الزاوية وسط الخليل
  10. مستوطنون يقتلعون 100 شجرة زيتون في بورين جنوب نابلس

دوا كحّة..

2017-08-08

دوا كحّة..
24FM - كتب نادر صالحة -
كنت في زيارة لصديق ذي شأن في مؤسسة يديرها، فوقف على باب مكتبه عددٌ من الموظفين في وقت واحد. هناك اجتماعٌ إذاً. اعتذرت واستأذنت وهممت بالمغادرة. منعني، فبقيت. وزعوا بعض الأوراق ودار حديث عن إدارة مشروع تطويري. لفتني أحدهم، كان متأنقاً ومنصتاً يكثر من ايماءاته برأسه وعينيه والحاجبين دلالة على الموافقة والفهم. غير أن صاحبنا كان يكُحّ بين الفينة والفينة، كحة ليست هي بالسعال ولا بالحشرجة، كحّة أنيقة كأنها تُقرأ عن نوتة موسيقية، وكان كلما كحّ، رفع عينه برفق الى المدير فإذا التقط نظرته تبسم له، وإذا أخطأ سهمه أطرق ينظر الى أي شيء. سمح لي ترتيب المجلس بوضع هذه المشاهدة تحت عيني مباشرة بشكل مريح، غير مزعج ولا لافت. أعجبني الأمر، وخطرت لي معلومة قديمة، وبدأت أعدّ كحّاته، كحةً كحة، فعددت له إحدى عشرة منذ فطنت لعدها. انتهى الاجتماع الذي لم يطل. نظرت الى صديقنا المدير بإطالة وتبسمت بإشارة، ففهم أن في فمي ماء.

- شو مالك؟ قال لي ضاحكاً. أخبرته عما لفتني خلال الاجتماع، -هذا الذي يكحّ بلا بُحّة ولا بوح، لم يَبُح الأّ لغيرك!

غمزني قائلاً - هذا يريد ترقيةً، ترقية لا يستحقها.. “غبي، وتافه وانبليت فيه”. هذه الترقية ستضاعف راتبه وصلاحياته، عمه فُلان. زمّ شفتيه حنقاً، وتنهدّ. - أتعرف قصة الكحّة؟ قلت له. قال لا!

- هذه يا عزيزي سياقها عجيب؛ يجمع بين الفجور والتأدب، بين التهتك والاحتشام في آنْ. لغتنا العالية حُبلى بدلالات ظريفة. "قحَبَ" و"يقحُبُ" بمعنى سَعَل/ يسعل، كحَّ/ يكحُّ. و يُقال لمن كثر سُعاله، قحُب، أي كثير السعال. ما علاقة هذا بـ"القحبة" التي نعرف؟ أقصد البغي التي تسترزق بفجورها؟ هي وطيدة ومتأصلة. كانت هذه إذا تجهزت، وأرادت أن تدعو مَن يطلبونها من الرجال إلى نفسها، تفعل ذلك بتؤدب! لا تدعوهم بالتصريح والمناداة بالاسم معاذ الله، ولا بإعلاء صوتها، بل كانت "تقحُب"، أي "تكحّ" عدة مرات، وكان من الرجال أن قابلوا الإحسان بأحسن منه، فبدلًا من وصفها بكلمات جارحة و بذيئة يستعملون المجاز تأدُّبًا، فيقولون "قحبَة". فالقحبنة التي نعرف كمفهوم هو ابن التأدب، أو ابنته. طغى المجاز على الحقيقة والبِغاء على السُعال. إعادة التصحيح والتوضيح لن يبيح التوظيف لقحَبَ بمعنى سَعَل. ولكنه يبيح التوظيف بمعنى "التوظيف".

تعج مؤسساتنا الوطنية، بوطنيين ووطنيات جداً، ساعلين وساعلات. لا يصل الرجل غير المناسب ولا المرأة غير المناسبة الى المكان المناسب إلا بالسعال والكحّ المناسب، محسوب وأنيق حسب نوتة المايسترو الذي يطلبون. يسعلون ويكحون حتى يُركبوا ومن ثم يَركبوا، ثم يستفرغوا على أرض الوطن حبّ الوطن، مشاريع، وشعارات، ومحافِظ محشوة بباطقات ائتمان ملونة ومتراصة. يحشون المؤسسات بأرتال من الأغبياء والمتكسبين، ويجلسون متأنقين على رؤوس طاولات الاجتماعات، ويستفرغون في وجوهنا قرارات عبقرية ملزمة للشعب دون أن يكح، رغم وطئة الروماتزم المزمن. فالكحُّة كَحّتان، كَحّةٌ موسيقيةٌ وطنية، وكحّةٌ نشازٌ يلزمها وصفة طبية.

ماذا عن دواء الكحة! متوفر. ولكن، من يكتب الوصفة إجبارية في وجه أرتال الساعلين والساعلات؟

* أغلب الظن أن صاحبنا قد تعافى من قحبه -أقصد كحته- بعدما نال مطلبه. وهناك من يكحُّ له الآن.


 

التعليقات
الكاتب
نادر صالحة

نادر صالحة

د. متخصص في الإعلام الحديث