أخبار


  1. الحكومة: غدا الثلاثاء يوم إضراب شامل يتم فيه تعطيل كافة المؤسسات والدوائر الرسمية
  2. الإعلام العبري: حرائق طالت مئات دونمات القمح بمستوطنات غلاف قطاع غزة اليوم
  3. ترامب: سأعلن موقفي النهائي من الاتفاق النووي مع إيران غدا الثلاثاء
  4. ترامب يعلن عن وفد رئاسي سيحضر حفل افتتاح السفارة الأمريكية في القدس برئاسة نائب وزير الخارجية جون سوليفان
  5. قوات الاحتلال تطلق الغاز بكثافة تجاه المتظاهرين في مخيم العودة شرقي خزاعة
  6. إصابة شاب برصاصة في قدمه بقمع الاحتلال مسيرات العودة شرق غزة
  7. استمرار توافد آلاف المواطنين للمشاركة في فعاليات جمعة الشباب الثائر
  8. مئات المستوطنين يقتحمون منطقة الاثار في سبسطية تحت حراسة جيش الاحتلال
  9. مواجهات مع الاحتلال باب الزاوية وسط الخليل
  10. مستوطنون يقتلعون 100 شجرة زيتون في بورين جنوب نابلس

لماذا نتجنّب الشهداء!؟

2017-12-02

24FM- بقلم فارس سباعنة

لا يختلفُ معي أحدٌ في الاضطراب الكبير الذي أصابَ معاني كلماتنا الدارجةِ على المستويين السياسي والمجتمعي، فنحنُ نتحدثُ باسم الثورة ولا نجدُ غير الاستسلام، ونتحدثُ باسم الصمود على الأرض ونحنُ نعلمُ أن لا مكانَ يؤوينا في العالم، ونتحدثُ عن تضامن الشعوب والأنظمة معنا بينما لا نتضامنُ مع أنفسنا، ولا داعي لمزيد من تعداد التناقضات التي نعيشها، لهذا تولّدت لديّ هذه الرغبةُ بمحاولةِ ترتيب جزء من قاموس المعاني معيداً الكلمات إلى جذورها.

وفي الحقيقة أن الكلمة الأهمّ والأبرز في هذا القاموس هي كلمة "الفلسطيني"، وهي الكلمة التي توسّعت في زمن الثورة ضد الاحتلال أكثر من حدود المكان والجغرافيا، وأصبح الفلسطيني هو ابن المشروع التحرري الذي يتضامن معه أحرار العالم، والقوى والحركات التحررية الراغبة بهزيمة المشروع الامبريالي في الشرق الأوسط المسمى "إسرائيل"، هكذا أصبحت فلسطين تساوي الحرية والحلم بالخلاص من العبودية للأنظمة التي تحكم العالَم بسيطرتها على معادلاته الاقتصادية، من خلال استعمارها لأدوات الإنتاج كافة، وإخضاعها لزعماء الأنظمة السياسية، وتحكّمها بمصائر الناس.

فاستحقّ الفلسطيني هذه المكانة العظيمة والمرموقة بمجرّد إعلانهِ عن موطنه الأصليّ الذي تحوّل إلى أيقونةٍ للفداء والتضحية في سبيل القيم العليا، وهكذا كان الموت في سبيل فلسطين، أو الأسر في سجون الاحتلال، أو خسارة البيت والأولاد، بعيداً عن ألم الفقدان لا يعدّ خسارةً ضمن توجّهٍ عامٍّ أصبحَ لغةً ضمنيّةً بأنّ جميعَ الناس يموتون في النهاية، لكنّ هذا الشرف الذي يستحقّه الفدائيّ يعوّضه عن سنوات عمرهِ التي لن يعيشها، لأنّ الإنسان في البداية وفي النهاية يبحثُ عن معنى لحياته ومعنى لموته.

بعد الغزو الإسرائيليّ للبنان وطرد المقاومة الفلسطينية من خط التماس الأخير مع الاحتلال، وحتى توقيع اتفاق أوسلو، وانتقال القيادة إلى داخل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وما جرى بعدَ ذلك من إحكامٍ لسيطرة الاحتلال على كلّ ما هو فلسطينيّ، وإخضاع القيادة للشروط الإسرائيلية واغتيال المشروع التحرّري الذي دخلَ إلى مأزقيّ المفاوضات العبثية الهادفة إلى الحفاظ على كرسيّ الحكم والتمتع بامتيازات السلطة لحركة فتح في الضفة، والمقاومة المنزوعة من سياقها التحرّري ضمن أجنداتِ الحكم والسلطة لحركة حماس في غزة، تحوّلت كلمة الفلسطيني من قيمة عليا تمثّل الفداء والتضحية والحرية، إلى قيمةٍ مُتنازعْ عليها لتوظيفها في مصالح شخصية لسياقات انتهازيّة، وينسحب ذلك ابتداءً من البيانات السياسية والخطابات الإعلاميّة للفصائل، إلى البرامج التلفزيونية وقصائد الشعر والفن التشكيلي وحتّى التسوّل باسم فلسطين في الخارج.

لهذا فإنّ النضال الفلسطينيّ الفرديّ ضدّ الاحتلال الإسرائيليّ في هذا الوقت، لا يتعدّى كونه إضافة ثقيلة إلى المخزون العاطفيّ الذي لا يجد مشروعاً وطنياً يعبّر عنه ويضعه ضمن سياقه الثوريّ، فلا توجد صيغة واضحة للحلم الفلسطينيّ بعد أن أصبحت فلسطين مشروعاً امبريالياً يخدم مشروع أعدائها، ويقدم له مبررات الوجود الاستعماري والتوسّع الاستيطاني والنموّ والتطور.

وبغضّ النظر عن التحليلات المتنوّعة التي يجد بعضها المبررات لضيق الخيارات السياسية ضمن معادلات القوى وصراعها في المنطقة والعالم، ويستطيع أن يثبت الخيانة التي تعرّض لها المشروع الوطنيّ من الأنظمة العربية وغيرها، فلم يكن أمام القيادة -حسب هذا التحليل- سوى التمسك بما يمكن التمسك به من الأرض والتاريخ الذاهبين للزوال إذا بقيت الرومنسية الفلسطينية حاكمة للقرار السياسي، وبين التحليلات الأخرى التي تجد القيادة الفلسطينية شريكةً في خيانةِ الحلم، وأن التخلّي عن الرومنسيةِ الوطنيّة هو التخلّي عن القوةّ الوحيدة الممثلة للحق والقضية العادلة التي كانت قادرة على إيلام الاحتلال وفضحه والأهم هو تكليل التضحيات بتيجان القيم الإنسانية العليا.

لكنّ الفلسطينيّ لا يستطيع أن يتخلّى هويته النضالية لأكثر من سبب، أوّلها هو التقدير والاحترام الكبيرين الذين حظيت بهما هويته المقاومة بمقابل العار والاحتقار الذي يلحق به في حال تخلّى عن النضال، والسبب الآخر أنه لن يجدَ معنىً جامعاً للكل الفلسطينيّ في الوطن (ضفة وغزة وأراضي 48) والشتات ومخيمات اللجوء إذا تخلّى عن معنى الهوية المقاتلة، بالإضافة إلى وجود المعتقلين والأسرى الذين يشكّلون معنىً قائماً ومتواصلاً للنضال وهم جزء من النسيج الاجتماعي للمجتمع الفلسطيني في الداخل والخارج، إلى شعوره بالنكران والتخلّي عن دماء الذين ضحوا ويضحون بأرواحهم في سبيل الوطن والحرية، وما يتفرع عن ذلك من أسباب لا نهائيّة تحرج الفلسطينيّ وتمنعه من التصريح بالتخلّي عن القتال والنضال كفكرة وأسلوب حياة.

وإنّ هذا التناقض الذي لا يرحم، يتعاظم ويتزايد في ظلّ الأحداث المرعبة التي تضرب المنطقة العربية، وصعود الحروب الطائفية التي حوّلت الفكر الشعبي العربي الداعم للقضية الفلسطينية إلى استقطابات إقليمية ومناطقية وطائفية جعلت من استعادة المشروع الفلسطيني لموقعه القتالي ضدّ الاحتلال أمراً في غاية التعقيد.

فمن هو الفلسطينيّ اليوم؟ إنه الحامل لهذه الهويّة المتناقضة التي يحاول أن يغضّ الطرف عن تناقضاتها، ويتناساها ما أمكن حتى يحلّها الحلّال، فإن الأسرى والشهداء والمناضلين هم قبضات وسواعدُ قويّةٌ تشدّ الإنسان الفلسطينيّ إلى تناقضه الحتميّ، وتعيده إلى مربّعاتٍ لا ترحمُ العزيز الذي ذلّ، ولهذا يتجنّبُ الفلسطينيّ سيرة النضال، وأصبحَ يسمعُ عن الشهيد الذي أمام عتبة البيت كأنه لم يسمع شيئاً، وكأنّه حادثٌ مُنتزعٌ من الوعي ومن الذاكرة. 

التعليقات