أخبار


  1. الحكومة: غدا الثلاثاء يوم إضراب شامل يتم فيه تعطيل كافة المؤسسات والدوائر الرسمية
  2. الإعلام العبري: حرائق طالت مئات دونمات القمح بمستوطنات غلاف قطاع غزة اليوم
  3. ترامب: سأعلن موقفي النهائي من الاتفاق النووي مع إيران غدا الثلاثاء
  4. ترامب يعلن عن وفد رئاسي سيحضر حفل افتتاح السفارة الأمريكية في القدس برئاسة نائب وزير الخارجية جون سوليفان
  5. قوات الاحتلال تطلق الغاز بكثافة تجاه المتظاهرين في مخيم العودة شرقي خزاعة
  6. إصابة شاب برصاصة في قدمه بقمع الاحتلال مسيرات العودة شرق غزة
  7. استمرار توافد آلاف المواطنين للمشاركة في فعاليات جمعة الشباب الثائر
  8. مئات المستوطنين يقتحمون منطقة الاثار في سبسطية تحت حراسة جيش الاحتلال
  9. مواجهات مع الاحتلال باب الزاوية وسط الخليل
  10. مستوطنون يقتلعون 100 شجرة زيتون في بورين جنوب نابلس

إلى باسل

2018-03-06

24FM - كتب خالد جمعة - تعال إلى هنا، أقرب قليلاً لأسمعك كما يجب، أحب أن أكتب كل كلمة تقولها، وكل كلمة لا تقولها، فكلمات الشهداء عزيزة بعد أن يصيروا شهداء، وليس قبل، لذا، اقترب خلف صمت المكان، ودع الملائكة تساعدك في الحروف التي فقدتَها من أثر الشظايا، كل حروفك الناقصة ستُكتب عند الله كاملةً، فالله لا يضيّع حق الشهداء بما فاض من رحمته، فهو الذي وعد أمثالنا العاصين بالرحمة، فكيف سيفعل ببطل مثلك، نحسده، ولا نتمنى أن نكون مكانه فيما فعل، أظنك تعرف ذلك جيداً.

تعثرتُ بليلٍ طويلٍ فيما صراخهم يذبح الفجر الساكت خارج النافذة، وأنا أتأمل البندقية سطراً سطراً، أغني لها لتلد الصباح على عجل، وأمسدُ فمها بصلواتٍ لم تناسب أزيز القذائف في الخارج، البنادق تخاف أحياناً، وأنا خفت في لحظةٍ، لم يكن الموت ما أخافني، بل خفت أن أكون قد نسيتُ يد أمي معلّقةً في فضاء النافذة دون أن أرد التحية، أردتُ أن أرسم سيناريو آخر للمشهد كله، أن أؤجل موتي ساعتين مثلاً، وأعود لأتمم القصة، وأكتب صفحة ضرورية للأصدقاء، وأرى شامة أبي للمرة الأخيرة، وأفعل ما يجب يفعله الشهداء قبل أن يصيروا شهداء، لكنني لم أعد في حاجةٍ إلى ذلك كله، فقد عرفوا جميعا، أعني أولئك الذين أردت الساعتين من أجلهم، عرفوا ما كنت أنويه وصدقوه تماماً كأنه حدث.

 الآن، بعد أن خفتت الأصوات التي نعتك، وجف حبر الذين تسلقوا على ركبتيك المنهكتين، وأصبحوا يتطلعون إلى جهةٍ لستَ فيها، ما الذي خطر في روحك قبل أن تختبر الموت مرةً أولى؟ وكيف حملتك الرسلُ الإلهيةُ حين مددت ذراعك ببندقية فارغةٍ إلى السماء، سمعتُك تحدث الله في ثانيتك الأخيرة، وقد كان يعرف أنها كانت رصاصتك الأخيرة، وقد أحبّك كثيراً في تلك الثانية، ولمس يديك ودعاءك، وأشرقت رحمته مثل آيةٍ لا تُناقَشُ، وكنت أنت مثل طفل في غابة عجائب، كأنك لا تصدق.


 هي البرودةُ الأولى، لا شيء يتبعها من الدنيا، كل ما يفلت من يد الوقت يصير صوت ناي من قصب، في فضاءٍ من فضة، بين جبلين من شجر، في غابةٍ من حكايات، في أفقٍ مرمريٍّ، بشمسٍ حنونةٍ، وطاقة لا تُحدُّ على الاكتشاف والمشي والرؤية والرؤيا، رأيت ما خلف الأشياء، رأيت الكلام يتلون بين شفتي أمي، رأيت ما يدور في رأس حبيبتي وهي تُخرجُ آخر هداياي من منديلٍ أبيض مطرز بغرز فلسطينيةٍ كما يجب، رأيتُ البكاء يصيرُ أشكالاً من الحرير بألوانٍ لم أعرفها من قبل، جميلة ومستحيلة على الوصف، بندقيني أيضاً كانت معي، قلتُ يا الله: طلبتُ منك أن يرافقني أصدق من كان معي في الدنيا، فجعلت البندقية تتبعني؟ ألم يكن هناك من هو أكثر صدقاً منها؟


 بعدك انفتحت الأمكنة، وصار الوردُ شعاراً للمقاتلين، والفجر لم يعد يأتي على طبيعته، حتى طيور الحجل التي كانت تحوم حول البيت اختفت، وكذلك العصافير التي كانت زقزقتها كأنها تلفظ اسمك، أيتغير العالم إلى هذا الحد حين يسقطُ شهيدٌ في معركة؟


لا أعرفُ، هنا لا فجرَ ولا ليلَ ولا وقتَ ولا ضوء ولا عتمة، أخوتي العصافير هنا أسمع أصواتهم فقط، لا أراهم، والماء له صوت كأنه شلال ينحدر من جبل، لكني لا أراه، كل شيء هنا من فضة، فضة، فضة، شجر فضة، أصوات فضة، خطواتي أيضاً صارت من فضة، حتى كأنني مقبل على عرس فضة، سأودعك الآن كما استقبلتك، بقبلة من فضة، ولا تكتب شيئاً من قصتي، فلم أكن هناك من أجل قصة، بل كنت هناك من أجل أن يتعلم ولد واحد معنى واحداً على الأقل للحياة، علّمهم إن استطعت أن يحملوا ناياً جوار البندقية، وكتاباً جوار السيف، وقل لهم: إنني أراهم جيداً، وأحبهم جيداً، ودعهم يأكلون قدر ما يستطيعون من خبز أمهاتهم، الشيء الوحيد الذي سيفتقدونه إذا ما صاروا يوماً شهداء.
 

التعليقات