أخبار


  1. الحكومة: غدا الثلاثاء يوم إضراب شامل يتم فيه تعطيل كافة المؤسسات والدوائر الرسمية
  2. الإعلام العبري: حرائق طالت مئات دونمات القمح بمستوطنات غلاف قطاع غزة اليوم
  3. ترامب: سأعلن موقفي النهائي من الاتفاق النووي مع إيران غدا الثلاثاء
  4. ترامب يعلن عن وفد رئاسي سيحضر حفل افتتاح السفارة الأمريكية في القدس برئاسة نائب وزير الخارجية جون سوليفان
  5. قوات الاحتلال تطلق الغاز بكثافة تجاه المتظاهرين في مخيم العودة شرقي خزاعة
  6. إصابة شاب برصاصة في قدمه بقمع الاحتلال مسيرات العودة شرق غزة
  7. استمرار توافد آلاف المواطنين للمشاركة في فعاليات جمعة الشباب الثائر
  8. مئات المستوطنين يقتحمون منطقة الاثار في سبسطية تحت حراسة جيش الاحتلال
  9. مواجهات مع الاحتلال باب الزاوية وسط الخليل
  10. مستوطنون يقتلعون 100 شجرة زيتون في بورين جنوب نابلس

أم كلثوم التي قتلت عزام..

2018-10-09

أم كلثوم التي قتلت عزام..
خاص 24FM، زاوية حوض نعنع، يكتبها نادر صالحة. 
كان جدي حكاءً، وكل أجدادنا حكاؤون بارعون. كان نهاية ثلاثينيات القرن الماضي قد سافر إلى كولومبيا وعاد منها دون أن يحقق ثروة. ولما كنت طفلاً كان يدللني بطريقته؛ كان يفرد لي المقعد الخلفي على "حِلس" حماره ويجلسني خلفه. كنت أتشبث بظهر جدي مطوقاً صدره بيدي القصيرتين اللتين لم يسعهما أن تنعقدا أبداً على هضبة صدره الواسعه، فعلمني أن أمسك بحزامه المشدود على وسطه طيلة الطريق، حزام وسطه حزام أماني.
كان حمار جدي يجِدُّ في مشيه في مناطق وعرة عرفها عن ظهر قلب، وكنا قبيل اقتحام منحدر، ينهرني جدي بصوته الأجش: "قرقِط يا سيدي.. قرقِط" (وقرْقِط يعني تمسك جيداً، كناية عن التشبث بالأطراف والأظافر والأسنان)، وكنت أقرقط أيضاً عندما يجفل الحمار من فزع طيور الشنار أو تقافز الغزلان والأرانب في البرية.
كان جدي يسرح قاصداً أرضه إلى "هضبة النَجَمَة"، و"يسرح" يعني أن تنطلق إلى عملك قبيل الفجر، وكل صباحات جدي كانت ندية طرية ومعشوشبة. هضبة النَجَمَة هضبة ساحرة على سفوح الجبال المطلة على الأغوار، عليها الآن مستوطنة "كوكب الصباح" شرقي رام الله وادعة مطمئنة.
خلال طريقنا "سارحين والرب راعينا" كنت أسمع منه مواعظ وحكم وخراريف، وكانت حكمه ومواعظه لا تأتي جافة ومباشرة، بل ندية وطرية مغلفة بحكاية بديعة، متصلة ومتدفقة وممتدة "كمَوارِس وحَبَلات" الزيتون والتين طيلة الطريق، عرفت في الطريق كل أشجار الزعرور، زعرورة زعرورة، وكانت لكل زعرورة حكاية مرتبطة بها ومذاق خاص بها. لكن حكايات جدي كانت لذيذة، ومذاقها ما زال عالقاً في قيعان الذاكرة.
سألته مرةً عن الأضواء المشتعلة في سفح الهضبة! ما هذه يا جداه؟ 
أوقف حماره وأطرق قليلاً.. وكان لا يوقف حماره إلا لأمر جلل. وحكى لي:
كان هناك رجل يُدعى عزام، وعزام كان "زلَمة زلَمة"، عُرف بشجاعته وشهامته ومشاركته في الثورة ضد الإنجليز وعصابات "الهاجاناة" قبيل النكبة. نجا الرجل من الموت مراراً، وعاش مهموماً متحسراً بعدما "ضاعت البلاد وتشحر العباد" عام 68، فاعتزل عزام الناس ومكث في أرضه يرعاها وترعاه. أهداه قريب له جهاز راديو ترانزيستور صغير و"شوية بطاريات كَلَم.. مشان يعرف شو بيصير فينا وفي الدنيا بعد الحرب”.
في ظهيرة أحد الأيام، كان عزام في كرْمه يبحث عن إذاعة تحكي له أخبار الدنيا ويعرف "شو صار" في البلاد بعد أيام الثورة والثوار، فتعثر بأم كلثوم تصدح في الأثير: "أعطني حريتي أطلق يديّ"، فاستوقفه نداء الحرية هذا ورفع صوتها، ووقف عندها يستمع ساعة. وعندما انتهت وعلا التصفيق والصفير، قطعه صوت المذيعة: "أعزائي المستمعين؛ كنا وإياكم نستمع لكوكب الشرق من إذاعة صوت إسرائيل”.. "هنا صوت إسرائيل!".
- ماذا؟ ماذا قالت؟! "هنا صوت إسرائيل!".
جن جنون الرجل، بدا لعزام سوء فعلته وحجم جرمه وعظم خطيئته. شكل عزام على الفور محكمة عسكرية، وادَّعى على نفسه بالخيانة لله وللوطن. كيف سمح لنفسه أن تلوثها هذه الأنفاس! كيف تصبب طرباً على صوت “إسرائيل”؟! وأي عارٍ هذا وأية فضيحة هذه؟! صارت "إسرائيل" دولة ولها راديو ناطق بالعربية يرفه عن المنكوبين ويطربهم، ويهزأ بالثورة والثوار على الهواء مباشرة! وواضحٌ أنها مطمئنة وآمنة في محيط الجعجعة والمراجل العربي الممتد من المحيط إلى المحيط. ويبدو أيضاً مشروعاً "واثق الخطوة يمشي ملكاً"، نعم، "وشهي الكبرياء". فكيف لهم أن يبثوا أغنية لأم كلثوم لساعة كاملة ومتواصلة لو لم يكن كذلك. "اسقني واشرب.. على أطلاله"، سقيا الذلّ والهزيمة الساحقة، وما ظنها ثورة ستعيد من عبروا النهر هائمين إلى البلاد وزيتونها والهضاب "كان صرحاً من خيالٍ فهوى"، وما سمِعه من أيْمان مغلظة بالثأر والتحرير وفجر سيطل كالحريق "أمسى خبراً، وحديثاً من أحاديث الجوى".
وكان عزام كلما التأم له جرحٌ، جَدّ له بالتذكار جرحُ.
تحت هذه الطرقات، سقط عزام مغشيّاً عليه ميتاً. قضى كمداً.
زفر جدي وتنهد محدقاً بـ"الكوكب". وصمت بعدها، على غير العادة.
أذكر أنني انخرست وشعرت بثقل ما سمعت دون أن أفهم بالضبط ما كان يعني. صرت مثله أحدق إلى "الكوكب" على سفح هضبة النَجمَة.
قضى عزام كمداً بعدما ظن موقناً أنه خائن لا يستحق أن تقله هذه الأرض أو تظله سماؤها، وبعدما أوقعت به "الحَجَّة" بحبائلها، والسنباطي بألحانه، وبعدما ضحك ابراهيم ناجي على ذقنه بكلماته "يا حبيبي كل شيءٍ بقضاء.. ما بأيدينا خلقنا تعساء".
كان عزام يعرف أن لله رجالاً إذا شاءوا شاء، وأن هذا حبٌّ أهبل مُعاق ومعيق، وأن هذا ليس قضاءً بل قضية، وأننا لم نُخلق للتعاسة، وأن هذا الرضا والانطباح ليس كياسة، بل رجسٌ لا يُقرَب، هو الخيانة بعينها، وأن قول إبراهيم ناجي بضرورة أن "نتعلّم كيف ننسى"، وأن "نتعلم كيف نمحو" حكمة تعوزها الحكمة. وهو في هذا السياق قولٌ عاهر، وتدجين سافل وزحفُ على أربع. وما كان على جدي أن يرضى بالقضاء ويتوقف عن "السراحة" صوب الهضبة، فكوكب الصباح كوكبنا، يجب "القرقطة" به بالأسنان وما بقي من ناب.
ها هو صوت "إسرائيل" يا عزام يصدح من على إعلام شاشاتنا العربية المسطحة عالية الجودة، يقولون لك إن هذا من أخلاق المهنة بوجوب احترام الرأي الآخر، وإن كان الآخر قواداً ورأيه سافلاً، فتعلمنا يا عزيزي "كيف ننسى وكيف نمحو" وتوالت ليالينا والليل صديق.
ولو كنت حيّاً يا عزام، لطُلب منك أن تتقدم بطلب إلى "المنسق العزيز" من خلال الإنبوكس خاصته زاحفاً على بطنك، تتبعه ببوست تنظيري منتصِب من طراز رفيع تحصد عليه لايكات خير الله، وقلوب حمراء فاقعة.
وما زلت أنا شخصيّاً يا عزام أمرّ من شارع التفافي قريب من هضبة النَجَمَة، أحدق في الكوكب الذي التهم الهضبة عن بكرة أبيها، وليس من سكانها من ركب حماراً لجده على سفحها. لم يتغير شيء. أمرّ به أرقبه مستعيداً حكايتك، مستمعاً إلى موسيقى مغربية، فارسية، أو يونانية، موسيقى حاف بلا كلمات، أو كلمات حاف بلا موسيقى. وبدلاً من سماع “الحَجَة” أفضل سماع "الحاجة يامنة" لعبد الرحمن الأبنودي بكنته الصعيدية، فهو أجمل عندي من أمها لأم كلثوم. أستمع بالمصادفة البحتة للمطالع الموسيقية في أغانيها عندما أتعثر بها، وعندما تبدأ بالغناء، أغير المحطة. وكي لا أبيعك مواقف وطنية مفرطة، موقفي هذا منها ليس تضامناً معك أنها نالت منك وقسمت ظهرك في تلك الظهيرة، بل لأنها ببساطة لا تروقني. أبغض عيَّهَا وإعاداتها وتكرارها الممل، وأمقت موجات التصفيق الملتهب الذي يرافقها بين كل مقطع وآخر. عاصفة التصفيق التي تعرفها جيداً، تلك التي تبعها "هنا صوت إسرائيل”، فقتلك.
 
 

التعليقات
الكاتب
نادر صالحة

نادر صالحة

د. متخصص في الإعلام الحديث

حوض نعنع
هو حشدٌ ضد البؤس يا

هو حشدٌ ضد البؤس يا سعد

2018-10-20

هو الحشد الأضخم في رام الله منذ سنوات. حشد مدني، سلمي، وحضاري بالالاف في قلب مدينة رام الله، عاصمة المشروع الوطني الثوري لإنشاء دولة سيدة وحرة.