أخبار


  1. الاحتلال يقرر الإفراج عن محافظ القدس و9 آخرين من كوادر فتح
  2. الحكومة: غدا الثلاثاء يوم إضراب شامل يتم فيه تعطيل كافة المؤسسات والدوائر الرسمية
  3. الإعلام العبري: حرائق طالت مئات دونمات القمح بمستوطنات غلاف قطاع غزة اليوم
  4. ترامب: سأعلن موقفي النهائي من الاتفاق النووي مع إيران غدا الثلاثاء
  5. ترامب يعلن عن وفد رئاسي سيحضر حفل افتتاح السفارة الأمريكية في القدس برئاسة نائب وزير الخارجية جون سوليفان
  6. قوات الاحتلال تطلق الغاز بكثافة تجاه المتظاهرين في مخيم العودة شرقي خزاعة
  7. إصابة شاب برصاصة في قدمه بقمع الاحتلال مسيرات العودة شرق غزة
  8. استمرار توافد آلاف المواطنين للمشاركة في فعاليات جمعة الشباب الثائر
  9. مئات المستوطنين يقتحمون منطقة الاثار في سبسطية تحت حراسة جيش الاحتلال
  10. مواجهات مع الاحتلال باب الزاوية وسط الخليل

خريجو الجامعات الفلسطينية ضحايا التعليم الجامعي!

2019-01-30

خاص 24fm، زاوية حوض نعنع، كتب نادر صالحة.

 فلسطين تتصدر عالمياً نسبة البطالة الأعلى بين خريجي جامعاتها. وبمقتضى هذه الصدارة المُرّة، يجب أن يتصدر هذا أولويات المؤسسة الرسمية لتطوير قطاع التعليم العالي في فلسطين. ولما سنعرض من أسباب عشر؛ تتحمل المؤسسة الأكاديمية الفلسطينية بمجملها الجزء الأكبر من هذه المعضلة.

استمرار إنتاج هذا الكم من الخريجين بشكل سنوي في نفس دوائر التخصصات "جريمة" يجب أن يوضع لها حدّ. سيما وأن تشخيص العلة وأسبابها لدى المؤسسة الأكاديمية واضح إلى حد كبير في مستويات الدبلوم والبكالوريوس. أما إيجاد وظائف عمل لحملة الشهادات العليا فهذا ليس من مسؤولية "الدولة". كما أننا دأبنا في الأعوام الأخيرة على تقديم متطلبات سوق العمل على متطلبات المجتمع، وهذا خلل بنيوي في فهم جوهر التعليم الجامعي.

يبلغ عدد الطلبة في 52 جامعة ومعهداً وكلية فلسطينية 218 ألف طالب وطالبة، وتضخَم عدد خريجي الجامعات والمعاهد الفلسطينية سنوياً لـ 44 ألفاً من كافة التخصصات، بطاقة استيعابية لسوق العمل أقل من 8 آلاف فرصة سنوياً فقط. كما بلغ معدل البطالة بين الأفراد الحاصلين على مؤهل دبلوم متوسط وبكالوريوس 56% (41% في الضفة، 73% في قطاع غزة). وارتفعت نسبة البطالة بين الخريجي بنسبة 10% مقارنة باحصائيات عام 2010. وتتوزع البطالة حسب الجنس بنسبة42% للذكور و69% للإناث.

نسب البطالة في بعض التخصصات صادمة ومروعة. العلوم التربوية 83%، العلوم الطبيعية 70%، العلوم الإنسانية 70%، العلوم الاجتماعية والسلوكية 64%، الرياضيات 55%، الحاسوب 55% (الإناث88%)!، الصحافة والإعلام 55%، الهندسة 45%، الصحة 43%. أيضاً 11-22 شهراً فترة حصول الخريج على أول فرصة عمل. هذا هدرٌ لطاقات هائلة. ومراكمةٌ للأعباء على كاهل البلد.

حسناً، هذا هو المشهد. نحن أكثر أهل الأرض فتوة. ومجدداً، تتصدر فلسطين المنسوب الأعلى عالمياً في القهر وضيق فسحة الأمل أمام شبابها، تبلغ نسبة الأفراد ما دون عمر 15 عاماً حوالي 40%، ونسبة الأفراد ما بين 15 -29 عاماً 30%، أي أن اجمالي نسبة الأفراد ما دون 29 عاماً تبلغ 70%. مجتمع فتيّ في ريعانه، غير أنه موعود بمزيد من الضيق والقهر.

السؤال هو: من يتحمل مسؤولية مآل الأمور إلى هذا الحد من البؤس وقلة الخيارات أمام أولادنا! الجواب مركب ومتعدد الطبقات، قد يكون الاحتلال أول مكوناته، لكن ماذا أيضاً؟ رأس المال ثانياً، الثقافة المجتمعية ثالثاً، ومن ثم المؤسسة الأكاديمية نفسها. والأخيرة هي الأهم وهي موضوعنا هنا. وليس السؤال هنا لتحميل المسؤولية والاتهام، بقدر ما هو دعوة لتغيير نمط تفكير المؤسسة الأكاديمية، وتحديث سياساتها العليا، ووضع خطط إعادة الهيكلة والمعالجة:

 

أولاً: التنافسية غير الحميدة بين الجامعات

معظم التخصصات المطروحة في البرامج الأكاديمية مكررة ومتشابهة إلى حد كبير، لا سيما في الإنسانيات والعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والحقوق والحوسبة. وما يدفع الطلاب للالتحاق بهذه الجامعة أو تلك غالباً الاعتبار الجغرافي وليس سمعة وفرادة التخصص. كما أن تصميمم البرامج الأكاديمية من قبل الدوائر المتخصصة يجب أن يكون ترجمة حقيقية للاحتياجات الفعلية للمجتمع والسوق بناءً على دراسات منهجية حقيقية، وبنظرة رؤيوية لسبع سنوات قادمة في الحد الأدنى. وهذا من البديهيات عند طرح التخصصات وتحديثها. لدينا في فلسطين 52 معهد وكلية وجامعة، تضم 218 الف طالباً وطالبة، يحتوي معظمها على تخصصات مكررة حد الملل.

لماذا لا يتم فتح تخصصات جديدة تنفرد فيها كل جامعة فلسطينية عن الأخرى؟ هناك انفجار معرفي عالمي، وهناك عشرات التخصصات الجديدة في العلوم الإنسانية لم تصل لجامعاتنا بعد. لدينا مشكلة حقيقية في توفر الكادر المحترف والمتخصص. على سبيل المثال؛ لماذا لا نطرح برنامجاً متخصصاً في "العلاج السبراني cybertherapy"، وهو تخصص يجمع بين علوم النفس الادراكية وعلم الاجتماع وعلوم السلوك والأعصاب والثقافة الرقمية، لعلاج تداعيات الاحتشاد والتعلق البشري في العوالم الرقمية بمختلف الفئات العمرية وما ينتج عنها من مشكلات ذهنية، اجتماعية، ونفسية تستوجب البحث والفهم وأحياناً العلاج. لا سيما وأن نسبة جيدة في المجتمع الفلسطيني "مدمنو فيسبوك". لن يكون بالإمكان فتح هذا التخصص حتى يتوفر في البيئة الأكاديمية متخصصون في هذا المجال.

يجب استحداث تخصصات جديدة غير مسبوقة بناءً على تحديد الاحتياج الدقيق والرؤيوي للمجتمع والسوق. ما معنى أن معظم كليات الآداب والعلوم والهندسة في جامعاتنا نسخ كربونية عن بعضها!

هذه تنافسية تحد من الإبداع وتفتقر إلى التنوع. تتنافس الجامعات للاستحواذ على نفس الطالب لتقدم له نفس التخصص بنفس الكيفية تقريباً.

 

ثانياً: وفرة في الشهادات ونقص حاد في التخصصات

هناك كمّ هائل من خريجي حملة درجة الماجستير والدكتوارة يرفدون البيئة الأكاديمية في المجتمع الفلسطيني سنوياً، ويفترض أنهم بتخصصات حديثة، غير أنهم لا يحدثون الفارق المطلوب في المشهد لافتتاح تخصصات جديدة؟ كثير من التخصصات الوافدة إلى المجتمع الفلسطيني تقليدية، وبعضها يأتي في سياق "البريستيج". في بعض التخصصات مثل الإعلام، والعلاقات العامة، والاقتصاد، والتربية، والعلوم السياسية، والقانون، والنوع الاجتماعي، والتاريخ، والجغرافيا، والفنون، والتنمية. مع أن كافة التخصصات والعلوم في تطور مستمر، ولم يبق تخصص على حاله تقريباً في العقدين الأخيرين، ويفترض أن هذه التخصصات محدثة. ويفترض أن تكون هذه إضافة في جميع الأحوال. الإجابة هنا أتحفظ عليها، حتى لا أتهم بالتعالي. ولكن فليكن، أغلب الجامعات العربية في العالم العربي، وهي مقصد الكثير من طلابنا، محكومة لذهنيات رسمية وأكاديمية تقليدية، تقدم برامج وتخصصات أكاديمية تقليدية وأحياناً ليست عميقة أن لم نقل ضحلة. كما أن بعض الجامعات والمعاهد في الجوار معروفة بقدرتها العالية على ما يعرف بالانتاج الغزير واليسير mass-production لشهادات وتخصصات بدرجات إشباع قصوى في المجتمعات العربية عموماً.

 

ثالثاً: بحوث علمية منزوعة الدسم

البحث العلمي الذي تتمحور حوله وتستند عليه الكثير من الدرجات العلمية الممنوحة في الجامعات والمعاهد المشار اليها قبلاً بحوث كمية. والبحوث الكمية –اجمالاً- لا تنتج معرفة، بل هي من قبيل الاجابة بنعم أو لا وما بينهما. مثل: هل يوجد علاقة بين مشاهدة أفلام البورنو وتحصيل طلاب الصف التاسع في منهج الرياضيات؟ نعم، يوجد علاقة وهي بهذا المقدار. شكراً. يمنح شهادة عليا. فهم ومعرفة وقياس كيفية هذا التأثير خارج نطاق البحث. آلاف الرسائل العلمية لدرجة الماجستير التي تعتمد المنهج الكمي ولا تضيف شيئاً سوى التحصل على درجة علمية. تمتاز هذه البحوث بتجميع المفرق ولملمة المشتت وتركيب المفكك ومراجعة الأدبيات المتعلقة. أقصد أنها ليست بحوثاً ابتدائية. والبحوث الابتدائية في الغالب هي بحوث كيفية. تجيب عن كيف؟ ولماذ؟ وتدخل في الصلب، تنزع الأحشاء وتفكك بمستويات تحليل عليا، وهي بحوث عميقة تحتاج إلى بيئة وذهنية ومصادر وأدوات ومناهج بحثية مختلفة. لدينا في المجتمع الفلسطيني مئات الأسئلة المجتمعية والنفسية والإدراكية والسلوكية دون أجوبة. ولا تستطيع البحوث الكمية معالجتها سوى التأكيد على أنها موجودة.

القياس هنا هو عدد العلماء (الباحثين) مقابل عدد السكان بالمليون. “اسرائيل” الأولى عالمياً 8 الاف عالم/مليون، ايرلندا 4500/مليون، اليونان 3200/مليون، مصر 680/مليون، الاردن 370/مليون، العراق 64/مليون، تنزانيا 18/ مليون، فلسطين (غير متوفر في المصادر العالمية).

 

رابعاً: تآكل مستوى الكادر التعليمي

يحدث أن أعضاء هيئات تدريسية يمضون في مواقعهم عشرات السنوات دون أن ينشروا بحثاً محكماً واحداً. ومن هنا تأتي ثقافة التلقين ولعنة "الدوسيات" (الدوسية: ملخص المادة في كتيب واحد). ويحدث أن بعض المساقات تقدم كما هي منذ عقد. ويحصل أيضاً أن يمضي آلاف الطلاب سنواتهم الدراسية دون أن يتقنوا مهارة الكتابة أو منهجية البحث العلمي، والتقديم، والقدرة على عرض فكرة ونقاشها، بالإضافة لتدني المستوى الثقافي لمستويات خطيرة تعكسه قلة الإقبال على المكتبات الجامعية.

 

خامساً: تدرني مستوى المهارات الصلبة والناعمة

هناك كم كبير من الخريجين يتفاجأون فور تخرجهم بتدني مستوى مهاراتهم الصلبة والناعمة التي يطلبها سوق العمل رغم ارتفاع معدلاتهم التراكمية. هذا يعود بشكل رئيسي إلى غلبة الجانب "النظري" على "العملي"، وكذلك ضحالة عمق المعرفة النظرية وأحياناً ضعف الكادر. مع أنني لا اتفق على تقسيم التخصصات أو المساقات إلى "نظرية" و"عملية" لأي تخصص مهما كان. فلا يوجد تطبيق عملي لا يستند على معرفة نظرية، كما أنه لا توجد نظرية ليست لها جوانب ومجالات تطبيقية. فالنظرية ابنة الواقع العملي، واحتياجات المجتمع يجب أن تترجم لاحتياجات السوق وليس العكس. هناك أحياناً خلط بين المهني والأكاديمي. كما أن مشكلة الفصل بين المسار العلمي والمسار الأدبي فادحة. يفارض أن تتاح الفرصة للطالب عند التحاقه بالجامعة ليقرر بنفسه وحسب إمكاناته الذهنية وقدرته العقلية وميوله الشخصية. حجب جملة من التخصصات أمام طلبة "الأدبي" ثقافة عنيفة وإقصائية. تخصصات العلوم الإنسانية بحاجة الى مستوى ذكاء IQ عال أيضاً. من هنا يخرج منظرو الفلسفة والأدب والفكر وعلم الاجتماع وعلم النفس بتفرعاتها التطبيقية. ندفع بالأقل جدية والأقل ذكاءً (دون تعميم) نحو التخصصات التي تفهم وتحلل وتبني وتعالج وتقود المجتمع، أقصد دوائر الإنسانيات. توالي هذه العملية هي بمثابة إعادة انتاج تركز مخرجات متدنية على المدى المتوسط والطويل.

 

سادساً: احتياجات المجتمع أولاً ثم السوق

 تعاني دوائر العلوم الإنسانية إجمالاً من تدني الاهتمام بها لصالح العلوم الطبية والهندسية والقانون. كارثة حقيقية أن يتم إغلاق دوائر علم النفس والآثار والفلسفة وعلم الاجتماع والانثروبولوجي في بعض جامعاتنا لضعف الإقبال عليها. هذه كارثة. هذه هي الدوائر التخصصية والمعرفية الفكرية التي تقود العلوم التقنية والحوسبة والطب والهندسة وليس العكس. الإنسان أولاً، معرفة وفهماً وفلسفةً، من ثم تطويع التكنولوجيا لخدمته. كان هذا موضوع واحدة من أكثر المقالات تأثيراً في القرن الماضي لـ"سنو بيرس" دعا فيها للجسر بين الإنسانيات والفنون والتكنولوجيا في التعليم الجامعي ودمج التخصصات. تبنت دوائر المعارف الأكاديمية في الجامعات هذه الفكرة، وبعدها حصلت نقلة نوعية انبثقت عنها تخصصات جديدة وثورية تجمع بين الثلاثي المعرفي معاً. التعالي على دوائر العلوم الإنسانية في البيئة الأكاديمية والبحثية ينم عن عدم فهم لماهية وأهمية تخصصات كليات "الآداب" ويحد من الإبداع لمستويات قاتلة. الإنسانيات تقود.

 يجب على الجامعات إنشاء تخصصات مدمجة تجمع بين الفنون والإنسانيات وعلوم الاجتماع والعلوم الطبيعية والتكنولوجيا والهندسة. استمرار الفصل السميك بين الكليات والتخصصات يحد من الإبداع ويحد أيضاً من تعزيز ثقافة المشاريع الناشئة Start-ups.

 

سابعاً: التخصصات المهنية التطبيقية

 فلسطينياً، نسب توجه الطلاب للتخصصات المهنية هي 20% مقارنة بالمعدل العالمي بنسبة 50% . ”منذ شهرين أحاول الحصول على موعد من فني الصيانة لإصلاح عطل في ثلاجتي الرقمية!”. وفي المستقبل القريب سنحتاج إلى فنيين كثر لإصلاح الأعطال في منازلنا وحياتنا الذكية. التخصصات المهنية المتاحة في المعاهد يجب أن يتم تحديثها لتتوائم مع التمدد التكنولوجي الهائل في كافة مناحي حياتنا.

 

ثامناً: تغيير مسمى "وزارة التربية والتعليم العالي" إلى "وزارة التعليم والبحث العلمي”. ولهذا دلالات غير خافية.

 

تاسعاً: وجود 52 معهد وكلية وجامعة فلسطينية في مساحة جغرافية صغيرة كفلسطين (الضفة وغزة) عدد كبير جداً، وغير منطقي. المعدل العالمي هو جامعة واحدة لكل نصف مليون. من الأفضل تقليص عدد هذه الجامعات للثلث بحيث يتم تركيز الموارد والنفقات والكوادر الأكاديمية المميزة وتعزيز البنية التحتية واللوجستية في 18 جامعة تقدم تخصصات مختلفة ومتنوعة وحديثة بمستويات أكاديمية رصينة. مما سينعكس ايجاباً على رفع مستوى التعليم العالي وجودة معارف ومهارات الخريجين. وسيشكل نواة صلبة لأداء أكاديمي بمخرجات منافسة عالمياً. هذا خيرٌ من تكاثر الجامعات والخريحين بمهارات ومعارف متدنية تضرب الكيف لصالح الكم. تبقينا الأول عالمياً في عدد بطالة الخريجين وطلبات الهجرة.

 

عاشراً: ما سبق يستوجب وضع المؤسسة الأكاديمية على الجملة أمام مسؤولياتها. تأجيل التصدي لها سيراكم منسوب الخيبات ويعزز ثقافة وأد الأحلام ويدفع الشباب للهجرة قسراً.

 

ـ المصادر: البنك الدولي، مركز الإحصاء الفلسطيني، اليونسكو، منظمة العمل الدولية.

التعليقات