أخبار


  1. الاحتلال يقرر الإفراج عن محافظ القدس و9 آخرين من كوادر فتح
  2. الحكومة: غدا الثلاثاء يوم إضراب شامل يتم فيه تعطيل كافة المؤسسات والدوائر الرسمية
  3. الإعلام العبري: حرائق طالت مئات دونمات القمح بمستوطنات غلاف قطاع غزة اليوم
  4. ترامب: سأعلن موقفي النهائي من الاتفاق النووي مع إيران غدا الثلاثاء
  5. ترامب يعلن عن وفد رئاسي سيحضر حفل افتتاح السفارة الأمريكية في القدس برئاسة نائب وزير الخارجية جون سوليفان
  6. قوات الاحتلال تطلق الغاز بكثافة تجاه المتظاهرين في مخيم العودة شرقي خزاعة
  7. إصابة شاب برصاصة في قدمه بقمع الاحتلال مسيرات العودة شرق غزة
  8. استمرار توافد آلاف المواطنين للمشاركة في فعاليات جمعة الشباب الثائر
  9. مئات المستوطنين يقتحمون منطقة الاثار في سبسطية تحت حراسة جيش الاحتلال
  10. مواجهات مع الاحتلال باب الزاوية وسط الخليل

أعتذر إليك سيدتي القاضية

2019-02-27

بقلم عصام عابدين

جوهر التعديلات التي جاء بها القانون الأساسي المعدل في العام 2003 تمثلت في استحداث منصب رئيس الوزراء على المستوى الدستوري، وتركيز الصلاحيات بيد الحكومة (السلطة التنفيذية) مقابل صلاحيات تنفيذية محدودة وحصرية للرئيس بقوة القانون الأساسي، وهذا ما عبر عنه المشرّع الدستوري بوضوح في المادة (38) من القانون الأساسي المعدل التي جاءت بالآتي "يمارس رئيس السلطة الوطنية سلطاته ومهامه التنفيذية على الوجه المبين في هذا القانون". وحسَمت المادة (63) أمر أيّ صلاحية غير واردة في نصوص القانون الأساسي المعدل بوضوح بالآتي " ... وفيما عدا ما لرئيس السلطة الوطنية من اختصاصات تنفيذية يحددها القانون الأساسي، تكون الصلاحيات التنفيذية والإدارية من اختصاص مجلس الوزراء". وبذلك قطع المشرّع الدستوري (التشريع الأسمى) قول كلّ خطيب.

بالرجوع إلى القرار الرئاسي (القرار الإداري) الصادر بتاريخ 20/2/2019 بشأن "تكليف" ديوان الرقابة المالية والإدارية بالتدقيق مالياً وإدارياً على أعمال مجلس القضاء الأعلى والنيابة العامة للسنوات 2016 و 2017 و2018، ومضاهاته بنصوص القانون الأساسي المعدل (121 مادة) نجد أنه لا يمنح السيد الرئيس صلاحية إصدار القرار الرئاسي المذكور، وبذلك فإن مخالفة القانون الأساسي المعدل (التشريع الأسمى) والحالة تلك تكون قد وقعت لا محالة.

وحيث أن القانون الأساسي المعدل شدد في المادة (6) على أن "مبدأ سيادة القانون أساس الحكم في فلسطين، وتخضع للقانون جميع السلطات والأجهزة والهيئات والمؤسسات والأشخاص". فإن السؤال المركزي المطروح، بعيداً عن أيّ نقاش في تفصيل هنا وهناك، هو لماذا جرى مخالفة أحكام القانون الأساسي المعدل وإرادة المشرع الدستوري؟

لا يمكن تصور أيّ حديث عن استقلال القضاء، يتخطى مبدأ سيادة القانون كأساس للحكم الصالح، ويتخطى مبدأ الفصل بين السلطات كبوصلة للنظام السياسي، ولا يمكن تخيّل دولة قانون بغياب المبادىء والقيم الدستورية وغياب التداول السلمي الديمقراطي على السلطة واستمرار تغييب حق المواطنين (مصدر السلطات) في اختيار ممثليهم بحرية في انتخابات عامة حرة ونزيهةومعبّرة عن الإرادة الشعبية، واستمرار حالة التفرد بالسلطة والقرار.

لم يتطرق القرار الرئاسي المذكور إلى "قانون السلطة القضائية" في أسانيده، وهذا لافتٌ عند أيّ حديث يدور عن الإصلاح القضائي، وفي المقابل فإن جميع أسانيد القرار الرئاسي (النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، القانون الأساسي المعدل، قانون ديوان الرقابة المالية والإدارية وتعديلاته) تخلو من أيّ نص قانوني يخول السيد الرئيس إصدار "قرار رئاسي" بتكليف ديوان الرقابة المالية والإدارية بأيّ شأن مالي أو إداري يدخل في اختصاص الديوان، وإنما للرئيس كما المجلس التشريعي كما مجلس الوزراءكما الجمهور كما الإعلام أن يُحيلللديوان أية قضية والديوان يقوم بمتابعتهاويمارس صلاحياته"وفق قانون الديوان" وليس بتكليف آمر بقرار رئاسي. وفي جميع الأحوال؛ فإن صلاحيات السيد الرئيس واردة على نحو حصري في القانون الأساسي (التشريع الأسمى) كما سبق القول.

والقول بغير ذلك،يتعارض أيضاً مع استقلالية الديوان التي نص عليه قانون الديوان، مع الأخذ بالاعتبار الجهات الخاضعة لرقابة الديوان بموجب قانونه، فالديوان ليس جهة تابعة للسلطة التنفيذية أو مَن يمتلك صلاحيات تنفيذية، وبذلك يكون "التكليف" الموجه للديوان بقرار رئاسي مخالفاً لأحكام القانون الأساسي وقانون الديوان.

وعلى ذات المنهج، فإنّ الطلب الوارد في القرار الرئاسيالموجهه إلى مجلس القضاء الأعلى والنيابة العامة بالصيغة الآمرة بتقديم التسهيلات اللازمة لقيام الديوان بالأعمال "المكلف بها بموجب هذا القرار" لا أساس له في القانون الأساسي (المواد 38 و 63) ومن نافلة القول أنه ينتهك مبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال القضاء.

لا أرى إمكانية حدوث تقدّم في مسار الإصلاح القضائي من خلال السلطة التنفيذية، ويشهد فشل تجارب سنوات الماضي وما آل إليه حال القضاء بما نقول. ولا أرى أيّ مبرر لسرية مداولات مجلس القضاء الأعلى التي صنعتها قرارات 2006 وسرية قراراته التي تواتر عليهما رؤساء المجالس القضائية فتجنّوا على قانون السلطة القضائية، وقضوا  بذلك على التكوين والأداء المؤسسيللسلطة القضائية (مجلس القضاء الأعلى) لصالح الهيمنة والتفرّد والاستقواء بالخارج.

أرى في أيّ محاولة لتعديل قانون السلطة القضائية، وبخاصة في المرحلة الراهنة، تحت عنوان مجلس انتقالي وغيره، بأدوات السلطة التنفيذية، مزيداً من التدهور والنزيف في القضاء، وفاقد الشيء لا يُعطيه، ولا أرى حلاً للخروج من الأزمة العميقة التي تعصف بالنظام السياسي سوى بوقف سيل القرارات بقوانين التي تجاوزت "ثلاثة أضعاف" القوانين التي أصدرها المجلس التشريعي الأول على مدار عشرة سنوات امتدت فيها ولايته (أي ثلاثين سنة)  والذهاب نحو عملية تحول ديمقراطي وانتخابات عامة وتمكين الناس من اختيار ممثليهم بحرية وانتظام العملية الانتخابية.

أرى أن التشريعات الخاصة بالقضاء تحتوي على أدوات وإمكانيات هامة يمكن الإرتكاز عليها على الأقل لوقف النزيف المستمر الحاصل في القضاء، وبإمكان الجميع أن يراجع مواقفه المسبقة سواءً الرافضة مبدئياً لتعديل قانون السلطة القضائية أوالتي طالبت وحاولت تعديل قانون السلطة القضائية وانتهى بها المطاف في ذلك الوقت للقول بتجاوز مسألة تعديل قانون السلطة القضائية وتأجيل النظر فيه إلى حين عودة المجلس التشريعي كي يقرر في الأمر، من الجيد أن نراجع مواقفنا المعلنة بقليل من العناء على محرك البحث على الإنترنت لأن التغيير والتبديل في المواقف بين الفينة والأخرى يحتاح إلى تبرير مقنع على الأقل، كي لا يتحولالكلام زَبَداً يذهبُ جُفاءً وكي يُؤخذ على محمل الجد.

أرى أن حرية التعبير عن الرأي للقضاة تُعزز استقلال القضاء، وفي استقلال القاضي حجر أساسٍ لاستقلال القضاء، وفي التعميمات التي تواتر عليها رؤساء مجالس القضاء الأعلى وصادرت حرية القضاة في التعبير عن آرائهم انتهاكاً للقانون الأساسي والاتفاقيات والمعايير الدولية والممارسات الفضلى في مجال حرية التعبير عن الرأي.

من حق وسائل الإعلام أن تتابع الأداء القضائي والأحكام والقضائية لأهميتها في الرقابة المجتمعية على السلطة القضائية وسائر السلطات العامة، ومن حق القضاة أن يبدو رأيهم في الإعلام على ذات المنهج، ومن باب أولى في قضايا الرأي العام، فالرأي بالرأي والحجة بالحجة، ويبقى الحكم للناس (مصدر كل السلطات) في تأييد هذا الرأي أو ذاك.

منظومة حقوق الإنسان، عالمية لا تتجزأ، تُخاطب الإنسان لأنه إنسان، قاضياً كان أم صحفياً أم فلاحاً أم عاملاً أم غيره،  والدفاع عن الحقوق والحريات، وفي مقدمتها حرية التعبير عن الرأي، مرآة استقلال القضاء والثقة بأحكامه، وحقٌ يمارسه القاضي ومن باب أولى في الشأن العام، وهذا ما أكده الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (دستور حقوق الإنسان) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وقانوننا الأساسي والمبادىء الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية ومبادىء بانجلور للسلوك القضائي ومبادىء مجلس بيرغ بشأن استقلال السلطة القضائية ووثيقة الرياض حول أخلاقيات وسلوك القاضي العربي وغيرها من الوثائق الدولية والإقليمية والممارسات الفضلى.

واجب التحفظ للقضاة، إنْ جاز التعبير، ذو طبيعة وظيفية ليس إلاّ، متعلقٌ بالقضايا المنظورة أمامه، ولا يعتبر قيداً على حرية التعبير،وانتقاد أداء مجلس القضاء الأعلى حقٌ للقاضي، مستمدٌ من حريته في التعبير عن الرأي، وطالما حافظ القاضي على حياديته واستقلاله في عمله، فلا حرج عليه في علاقاته، ويظلُ محل احترام وثقة المجتمعبأدائه.

لا شك عندي، أن القرار الرئاسي الصادر بتاريخ 20/2/2019 - بالتزامن مع القرار الرئاسي سالف الذكر-  بشأن العفو الخاص المرتبط بالدعوى الجزائية رقم (1742/2017) مخالفٌ لأحكام القانون الأساسي المعدل وقانون العقوبات النافذ، بخاصة أن القضية الجزائية محل العفو الخاص لا زالت منظورة أمام محكمة النقض ولم يتقرر فيها لغاية هذه اللحظة. وقد سبق وأن تحدثت في هذه المسألة وأوضحت أبعادها الخطرة في لقاءات إعلامية سابقة.

لكن، ما يهمني في الأمر، هو الظلم الذي تعرضت له القاضية في تلك القضية بالغة الأهمية في الأبعاد والدلالات، والأبعاد الجنسانية التي تتدحرج مثل كرة الثلج في تلك القضية، وكيف يتم التعاطي مع القضايا التي تخص المرأة الفلسطينية، ومآلها، في الاختبار الحاسم، والتي لا يمكن فصلها عن الأسباب والدوافع من وراء تلويح المستوى السياسي "بالتحفظات" وتركيزها على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي تُعرف باتفاقية سيداو.

سيدتي القاضية، إنَّ ما دفعني حقيقة لكتابة هذا المقال هو الاعتذار إليك، أمام الظلم الذي تعرضتِ له، وكمواطن فلسطيني مؤمن بثقافة وقيم حقوق الإنسان نهج حياة، فإني أرجوكِ أن تقبلي اعتذاري، وأعدك، وإنْ كنت لم أتشرف بلقائك من قبل، أن يبقى هذا الملف مفتوحاً أمامي في مواجهة كل مَن شارك في إيذائك، ونحن مَن يُتقن فنَّ عدّ الأنفاس، واحداً تلو الآخر، ومَن لا يعرف سوى طريق النصر في المواجهة، ولا يُخلف الوعد، سيدتي القاضية.

 

 

 

 

التعليقات