أخبار


  1. الاحتلال يقرر الإفراج عن محافظ القدس و9 آخرين من كوادر فتح
  2. الحكومة: غدا الثلاثاء يوم إضراب شامل يتم فيه تعطيل كافة المؤسسات والدوائر الرسمية
  3. الإعلام العبري: حرائق طالت مئات دونمات القمح بمستوطنات غلاف قطاع غزة اليوم
  4. ترامب: سأعلن موقفي النهائي من الاتفاق النووي مع إيران غدا الثلاثاء
  5. ترامب يعلن عن وفد رئاسي سيحضر حفل افتتاح السفارة الأمريكية في القدس برئاسة نائب وزير الخارجية جون سوليفان
  6. قوات الاحتلال تطلق الغاز بكثافة تجاه المتظاهرين في مخيم العودة شرقي خزاعة
  7. إصابة شاب برصاصة في قدمه بقمع الاحتلال مسيرات العودة شرق غزة
  8. استمرار توافد آلاف المواطنين للمشاركة في فعاليات جمعة الشباب الثائر
  9. مئات المستوطنين يقتحمون منطقة الاثار في سبسطية تحت حراسة جيش الاحتلال
  10. مواجهات مع الاحتلال باب الزاوية وسط الخليل

خيوط المأساة، نسيج الأمل… أشيرة

2021-08-17

   مقال لـ خالد إسحاق الغول 

بعد مرورِ عامين على إعادة إنتاج عملنا الفني (مشعل) كعمل يستلهم التراث، ويروي حكاية الفلسطيني في أوائل القرن الماضي، نُواصِل  في فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية الحفرَ  في بُطون التاريخ، نُسائِل الأيامَ كي تنفُضَ عن ذاتِها غبارَ حكاياتِ ناسٍ وأرضٍ وأحلام، وأساطير َ معابدَ وآلهاتٍ وقِيَم، وأقدارَ كائناتٍ وطبيعةٍ، كُلُّها مرت من هنا، ورَسَمت ملامِحَها مِنَّا، وارتسمت طبائِعُنا منها، وصِرنا على ما نحن عليه وفيه .
في سياق فُنونيٍّ متسق ومتناغم يستلهم التراثَ الشعبي، سَلَكْنا دُروبًا أَطْلَلْنا عَبرها على الميثولوجيا، لِنَكتِشفَ أنَّنا حاضرون في كلِّ حُضور، وأننا كُنَّا شهودًا على سَردياتِ الكون، نقِف على بوابةِ التاريخِ ونُسَجِّل حُضورَ الحضاراتِ وغيابَها.  
حَكَينا حكايةَ (مشعل) المُشَرَّد، إبن الأرضِ المُطارَدِ في أصقاعِها، والباحثِ عن الملاذِ من بطشِ الغُرباء. وها نحن اليوم نواصل السردَ والحكيَ، ونروي على مَهْلٍ حكايةَ ( أشيرة) ... آلهة البحر، وربَّةَ الخصوبة في الطبيعة والإنسان، ومُرْضِعَة النبلاء على امتداد السُّلالات، التي خرجت "من دم الحكايات، ومن رحمِ الغيم". والتي صارت "امرأةً فاتنةً وبارعةً ومقدسةً، وُلِدتْ من زَبَد البحر وطِين البرِّ  ونورِ العَتمة"، ثم أَوْدَتْ بها العاصفة، وعاقَبَتها الأقدارُ، وحَرَمَتها من الرُّمَّان والماء، ورَمَتها بقسوة في عالمٍ سُفْليٍ عدوٍ للنور والفضيلة والجمال والحياة، طافِحٍ بالقذارة والرذائل والفساد، تَتَمظهر في هذا العالمِ كلُّ المَثالِبِ والخَطايا : نَسْفُ بيت الشِعر، وقطعُ يَدِ الرسام، وبَتَرُ ساقِ الدَبِّيك، وتكميمُ فمِ الحكواتي، وحَبْسُ الحَمَام، وهَدْمُ المأوى، وَرَدْمُ اليُنبوع، واجتِثاثُ الشجرة، وَجُوُرُ المدائن، وفُجُورُ الطغاة، واستبدادُ الكَهَنة، واعوِجاجُ القُضاة، وتواطؤُ المثقفِ، وتقبيلُ يدِ السلطان، وتَسليعُ الفِكرة. 
في هذا العالم السُّفلي القذِر، يواصل أُخوةُ يوسف التكشيرَ عن كراهِيَتِهم، ولم يَعُد الناسُ قادرين على دُخولِ البيتِ سالمين، وعقاربُ الساعةِ تدور ُ الى الوراء، وعقاربُ الناسِ تنفُثُ سُمومَها في عَسَل الوعود الهزيلة والخُرافة المُستَعْذَبة. وفي هذا العالم يَسْبَحُ التائهون في بئر النسيان، ويغرَق الناسُ في مُستنقعات الخيانةِ والتزييفِ والانكِسار ِ والتفريطِ واستئناسِ الهوان والتذيُّلِ والتذلُّل.
ظلت أشيرة تُكابِد هذا العالَمَ، صارخةً مستصرخةً، ومُعلنةً للقومِ أنهم أمامَ صراعٍ بين القَدَر  والإرادة،  وفي مُساجلةٍ بين الذاكرةِ والممحاة، وأنهم في مُواجُهةٍ مُحتَدِمةٍ مع المنفى باعتباره تجسيدًا حيًا للموت. وأنه في معمعان تقرير المصائر لا ينبُتُ الزيتون إلا على أرضِه، ولا ينبُضُ القلبُ إلا في سُويدائِه، ولا يستجيبُ الله لأدْعِية الكُسالى، ولا ترى العينُ هِلالَ القمح إلا فوق أسوار  مدينة البدايات. وأنهم إِنْ لم يجتمعوا فوق الجبال وَحَوْلَ الينابيع وتحت لهيب الشمس، فلن يلتقوا إلا باللباسِ الأسودِ في الجنازات. وستبقى الوُعودُ السماويةُ ضَربًا من الخيال ما لم تكُن مَحاريثُهم في جَوفِ الأرض، فلا السماءُ سوف تُمطِر سمناً، ولا السواقي سوف تجري عَسَلاً. وإن لم يكونوا أهلًا لهذي الأرض فلن يكونوا أهْلَها. ففي وجهِ العاصفةِ المُقَيَضَة لقبضِ الأرواح تَعْلو على الطوفان مَرافِىءُ الحنين، ومن تحتِ أسنانِ البلدوزر  تتبَرْعَمُ الوشوشاتُ الخضراء، ومن خُيوطِ المأساةِ يُنسَجُ الأمل . 
في عِز ِّ الطوفان  ظلت ( أشيرة) تمشي بين ثنايا الموتِ المُتَرَبِصِ شاهِرَةً عليه سَيفَها، وضارِبَةً رُمحَها في كَفِّ القدر، تملأ الدنيا حكايات، وتنثُر الذاكرةَ الغَضّة على مساحات ِالزمن،  كي يعودَ الرُمَّان إلى أرضِه، والزَّمانُ الى انتِظامِه. وتَرجعَ الطريقُ الى دَربِها، وتسترِدَّ عالَمَ السُمُوِّ والنُبْلِ واليَفاعةِ... ثم تُستأنَف الأُغنيات . 
(أشيرة)، كَعملٍ فنيٍّ مُعاصِر، هو خلاصة عميقة ومكثفة من الكَدِّ والتجريبِ والاختبارِ، وثمرة جهودٍ مُضنيةٍ من بناءٍ مُتراكمٍ في الرؤية والفكرة والجسد والصورة والمعنى والقيمة والمسار والاشتقاق والحَفْر والتجلّي. لا يطرح في شكله انحيازًا الى نمط فني تقليدي أو موروث، بل يَبْسُطُ أمام ذائقةِ المتلقين مساحةً فنيةً رَحْبةً فيها التعدُّدُ والانفتاحُ، وفيها التناولُ الطليقُ المُحَلِّقُ بلا قيود، والمتحرر من التقييماتِ المسبقة، والاسقاطاتِ الجاهزة، والقراءاتِ المَتْحَفية، والتأويلاتِ التصنيمية. وينحدرُ  في طرحه الرُؤيوي من الزمن الغابر، ليواصل سَرْدَ الحكايات في زمنه الحاضر على مستوى الحَكيِ والحركةِ والصوتِ والصورة، ويصوغ مشهدًا بصريًا وحركيًا مكثفًا ونابضًا وحيويًا في المبنى والمعنى. ويُحاكي في وحشيته وفي تفاصيل سياقه عالمنا المعاصر . وفي كل خطوة من خطوات العمل تواصل السواقي جريانها  في ينابيع الذاكرة وفي مختبر الأداء النابض بحركة الجسد، وتحليق الخيال وأسئلة العقل، والمتمرس في عَجْنِ الأدوات واستنِطاق الشواهد. ويُطلِقُ أجنحة الكلام وخزائنَ الصُّوَر ِ الى مَدَيَاتِها الأبْعَد. وينتفح الفضاء التشاركي بكل رحابة ممكنة لكي تجتمع كل الطاقات الكامنة، لتبتكر مشهدًا خصبًا يخلو من ادعاء النجومية، واحتكار الخيال،واستعلاء التخصص. 
هو اجتراحٌ للأملِ، وتحليقٌ عنيدٌ في فضاءِ القول، وانبعاثٌ من تحت الرِجامِ، صَبَبْناهُ من شرايين الحياة المتوالدة في احشائنا خفقةً خفقة، ونبضةً نبضة، ودمعةً دمعة، وضحكةً ضحكة، ورجفةً رجفة، ورمشةً رمشة ... إلى ما لا آخر له من إرادة. وحيث لا حَدَّ لنا ونحن نمشي بتوازنٍ يتجاوز ُ كل حَدٍّ مهما اشتَدَّت الريح.
ومع كل ترسيخ لحضور الأَنَوات المتدفقةِ والنابِضةِ في مشهد الجُموع، يتجلَّى العملُ الجماعي الذي لا يرى الأنا إلا في سِياقِ الجماعة، ولا يُدرِك الجماعةَ إلا في دَفَقَات كلِّ أنا على حِدَة. وفي هذا العمل صار من الصعب إدراكُ الفواصلَ بين كاتبٍ ومصممٍ ومدربٍ وراقصٍ ومغنٍ وعازفٍ وملحنٍ ومصممٍ للأزياء أو الاضاءة أو السينوغرافيا. وفيه مُثابرة بديعة في حَكيِ الموسيقى، وإلحاحٌ كاشفٌ في سَردِ الصورة. وطاقة هائلة تَرُجُّ الأرضَ وتُعانِق السماء، فيَنْتَشي إيقاعُ الحضور ِ المُدَوِّي والصاخب. 
منذ البدء كانت (الفنون) مُختبرًا مفتوحًا مُتدفقًا، يُطلِق أجنحَتَه كفعلٍ إنسانيٍ مُتَوَقِّدٍ ومؤثرٍ في الوعي والوجدان والضمير، ومُساهمٍ في الصقل والصياغة والتشكيل والحفر والنقش في دواخل أعضاء الفرقة والمجتمع، ويُفصِحُ عن تنوع في التجربة، وتعددية في المشارِب، وديناميكية  في الإطار الاختباري  والتجريبي.  واكتسبنا في غمرة هذا الإنبِناءِ تجربةً مثيرة ما زلنا نَخوضُ في غِمارِها كمُختَبرٍ سِجالي مُنهمِكٍ في حَمْلَقَة المرايا، وفي السرديِّةٍ  الكاسِرةِ للسياقاتِ البليدة. 
في التجربة الفنونية فِعلٌ شيقٌ وشائقٌ، وحافرٌ، ومُنتفِضٌ، ومُقتحِمٌ، وجامِحٌ، ومُتمرِدٌ، ومُتحرِرٌ من أَغلالِ السائد، ومُنطَلِقٌ نحو أوسع المَدَيات، يَخُضُ البداهةَ وينسِفُ الثباتَ، ويرمي حِجارَه في المستنقع الآسِن. وفيها جمعٌ لا يقطَعُ مع الماضي، ولا ينْسَلخُ عن الجذور، ولا ينْمَحي أمامَ الوافِد، ولا يتواءَمُ مع الغازي،  بل يمشي بِخُطىً واثقةٍ في مسار ٍ مُتعَرِجٍ  ينْتَهِلُ من الأصيل ويستلهمه بانتماء وشَغَفٍ ورحابة، ويُحاور ُالمُعاصِر َويساجِله بِنِدِّية وانفتاحٍ ورجاحة. 
على مدى سنواتِ عُمرِنا الفني لم نَكُن بحاجةٍ الى وثيقةِ مرور ٍ كي نَعْبُر ْ،أو جواز سفر ٍ كي نَمُر ْ ، فقد اجترحنا الرسوخَ منذُ الأزَلِ في جذر الجذر، وأَعْلنَّا الإقامةَ حتى القِيامةِ في ربُوعِ أيامِنا العادية.  نُعادي الحِيادَ، ونُهدِىءُّ من رَوْعِ التردد، وننقُشُ المدى الأزرقَ فوق سُفوحِ الهواجسِ والأماني، ونبغُضُ انصياعَ المنفعة، ونرفضُ القُعودَ على موائدِ من يرَون  في وَطنِنا إرهابًا، وفي رِوايتِنا تُهمة، وفي أمَلِنا تهديدًا لأمْنِ الغُزاة. نأبى مُحاباةَ السُلطان، ونرفُضُ تمَلُّق وَلِيِّ النعمة، ونستعصي على الانحِناءِ تحت وَطأةِ الإِملاقِ، مهما اشتدَّ الضيمُ والعَوَز. ولا نُطيق النعامَ الهانىءَ بِرَملِ المرحلة. ونُكررُ  موالَ البَقاء مع حنَظَلة الذي يَدُقُّ على عَظْمِ الرؤوس كي لا يَسْهو الأمل، وَنَشْدُو مع الحادي أغاني الوطنَ الذي لا ينتظِر، والناس التي لا تنام. وندبك على إيقاع حكايتنا ولوحاتِنا الفولكلورية المنقوشة على صخور ِ أرضِ كنعان. 
عَلَّمَنا الأسرى في السجون أن الحِرمانَ قرارٌ، وأن الامتيازاتِ تفاهةٌ. وأنَّ عليكَ أن تدفعَ ثمنًا باهظًا كي تعيشَ راضيًا مرضيًا في حِضنِ شعبِك وأهلِك. وقَرَّرنا أن نواصل السير على درب آلامِهم وآمالِهم.  ومع كل ارتِجافة أملٍ نواصل إهداء أعمالنا الفنية الى المعتقلين. ومع افتتاحنا لعملنا الجديد (أشيرة) نهديه الى زملائنا القابعين في سجون الاحتلال: جهاد الروم، وطارق كراجة، وعنان صافي، وعطا خطاب. الذين تَصِلنا رسائلهم من بعيد، فتُعيد لنا أولَ النشيد، وتُلهِبُ عيونُهم شمسَ أيامنا، ونواصل حوارَنا الرشيقَ مع الغَيم، فَنَزْرَع حكِايَتَنا ونرويها، ثم تروينا ونرويها.  

 

                                                

 

 

  

التعليقات